محمود بن حمزة الكرماني

49

اسرار التكرار في القرآن

وسبأ ، والأنعام ، ويونس ، والأنبياء ، والفرقان ، والشعراء . وجاء تقديم الضرر على النفع في سورة يونس : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ « 1 » . وعلى هذا الترتيب الأخير سارت معظم آيات القرآن إلّا في المواضع الثمانية التي ذكرناها ، وإنما تقدم الضر على النفع لأنه أصل الفطرة التي نزل بها القرآن ، لأن العابدين يعبدون اللّه خوفا من عقابه أولا ، وطمعا في ثوابه ثانيا ، وعلى هذا دلت الدلائل في فطرة البدائيين وفي وجدان الموحدين ، وقد سجل اللّه تعالى هذه الفطرة البشرية في قوله تعالى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً « 2 » . أما قوله تعالى : يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً « 3 » ، فقد جاء معبرا عن نوع راق ومتطور من الفطرة ألف العبادة حتى تحولت إلى معرفة وحب للّه ورسوله . فلما اختلفت هذه المواضع الثمانية من القرآن مع الأصل ، فتقدم فيها النفع على الضر إذن ؟ اختلفت هذه المواضع الثمانية فتقدم النفع على الضر ، لأن السوابق من الآيات تدعو إلى هذا التركيب ، حرصا على النظام القرآني البديع المعجز من حيث لا يمكن بأي حال أن يستمر الناس في كتاباتهم على مراعاة هذا النظام ، بل تعمهم الغفلة غالبا . ففي سورة الأنعام جاءت الآية بعد قوله تعالى : لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها « 4 » . فالولاية والشفاعة تناسب النفع ، وعدم أخذ العدل يناسب الضر ، فجاءت الآية على هذا النسق : قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا « 5 » ، وفي يونس : ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا « 6 » ، فناسب تقديم النفع رعاية للنجاة ، وهي نفع . وفي الأنبياء جادل الكفار إبراهيم في أصنامهم فقالوا :

--> ( 1 ) سورة يونس : 49 . ( 2 ) سورة السجدة : 16 . ( 3 ) سورة الأنبياء : 90 . ( 4 ) سورة الأنعام : 70 . ( 5 ) سورة الأنعام : 71 . ( 6 ) سورة يونس : 103 .